مكتب طباعة الكتب المساعدة التعليمية
9
موسوعة الإمام الحسين ( ع ) ( تاريخ امام حسين ع )
معاوية باسم الخلافة ، ولكن أخشى أن يضرب وجهك هذا الحسن الجميل بالسّيوف ، وترى من هذه الأمّة ما لا تحبّ ، فارجع معنا إلى المدينة ، وإن شئت أن لا تبايع ، فلا تبايع أبدا ، واقعد في منزلك . فقال له الحسين : هيهات يا ابن عمر ! إنّ القوم لا يتركوني إن أصابوني ، وإن لم يصيبوني ، فإنّهم يطلبوني أبدا حتّى أبايع ، وأنا كاره ، أو يقتلوني ، ألا تعلم أبا عبد الرّحمان أنّ من هوان هذه الدّنيا على اللّه أن يؤتى برأس يحيى بن زكريّا إلى بغي من بغايا بني إسرائيل ، والرّأس ينطق بالحجّة عليهم ، فلم يضرّ ذلك يحيى بن زكريّا بل ساد الشّهداء ، فهو سيّدهم يوم القيامة ، ألا تعلم أبا عبد الرّحمان ! أنّ بني إسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشّمس سبعين نبيّا ، ثمّ يجلسون في أسواقهم يبيعون ويشترون ، كأنّهم لم يصنعوا شيئا ، فلم يعجّل اللّه عليهم ، ثمّ أخذهم بعد ذلك أخذ عزيز مقتدر ذي انتقام ، فاتّق اللّه يا أبا عبد الرّحمان ولا تدعنّ نصرتي ، واذكرني في صلاتك ، فو الّذي بعث جدّي محمّدا بشيرا ونذيرا ، لو أنّ أباك عمر بن الخطّاب أدرك زماني ، لنصرني كما نصر جدّي ، ولقام من دوني ، كقيامه من دون جدّي ، يا ابن عمر ! فإن كان الخروج معي يصعب عليك ويثقل ، فأنت في أوسع العذر ، ولكن لا تتركنّ لي الدّعاء في دبر كلّ صلاة ، واجلس عن القوم ولا تعجّل بالبيعة لهم حتّى تعلم ما تؤول إليه الأمور . ثمّ أقبل على عبد اللّه بن عبّاس وقال له : وأنت يا ابن عبّاس ابن عمّ أبي ، ولم تزل تأمر بالخير مذ عرفتك ، وكنت مع أبي تشير عليه بما فيه الرّشاد والسّداد ، وقد كان أبي يستصحبك ويستنصحك ويستشيرك ، وتشير عليه بالصّواب ، فامض إلى المدينة في حفظ اللّه ، ولا تخف عليّ شيئا من أخبارك ، فإنّي مستوطن هذا الحرم ، ومقيم به ، ما رأيت أهله يحبّونني وينصرونني ، فإذا هم خذلوني استبدلت بهم غيرهم ، واستعصمت بالكلمة الّتي قالها إبراهيم يوم ألقي في النّار : « حسبي اللّه ونعم الوكيل » ، فكانت النّار عليه بردا وسلاما . فبكى ابن عبّاس وابن عمر ذلك الوقت بكاء شديدا ، وبكى الحسين معهما ، ثمّ ودّعهما ، فصار ابن عبّاس وابن عمر إلى المدينة ، وأقام الحسين بمكّة ولزم الصّلاة في الصّلاة .